ثبتوا أقدامكم بالأرض
نعم لقد فقدتُ صوتي، فقدتُ قدرتي على التعبير عن ذاتي، ابحث عن
كلمات... اتلعثم ولا أجدها
كنتُ طفلةً صغيرة اشعُرُ بغصةٍ بالقلب في كل مرةٍ يأتي شقيق صديقتي
ليوصلنا الى مكان، فقد جاء جنودٌ الى المنزل وأخذوا أخي وانا بالحادية عشر من
عمري، نظرت إليهم يربطون يديه ويغمون عينه، ولم أفعل شيء. كنت فقط اراقب المشهد
ولم أفعل شيء.
كنت اذهب لزيارته... أراه من خلف الشبك، وبعد انتهاء الزيارة ابكي
طوال الطريق. وعند منعي من الزيارة كنت ابكي خارج بوابة السجن، اسمع كلمات “ما
تبكي بلاش مجد يزعل، ما تبكي قدام الجيش"
في يوم محكمته طلبت اذن مغادرة من المدرسة لأراه، منعني جندي من
الدخول للمحكمة لأنني لم أكن املك هوية، صرخت أمي على الجنود فقالو انهم سيمنعونها
من الدخول الى المحكمة ان استمرت بالصراخ.
جلستُ بعيداً ... وبعد دخول الجميع الى المحكمة ذهبت الى الجندي وقلت
" انا رح اروح بس دايماً تذكر إنك منعت بنت صغيرة تشوف أخوها"... عندها
شعرت ان هذا الجندي لن يكن باستطاعته إخافتي مجدداً.
مرت الأيام والسنوات.... اذكر يوماً بعد زيارتي لمجد في سجن عسقلان،
وقفت بالطابور لإدخال ملابس للسجن، وجد جندي رسالة في جيب بنطلون، فصرخ وألقى
حقيبة الملابس على وجهي. امتعضت قليلاً ولكن الشعور الأكبر كان "الحمد لله
اني دخلت الأواعي قبل الزيارة" بحيث أنه لو وجد الجندي الرسالة قبل الزيارة
لحرمني من رؤية مجد مرةً أخرى.
كان أمل ان يتحرر مجد بالنسبة لي يقين، كنت دائماً أفكر انه لن يبقى
بالسجن طويلاُ.
فترة الاضراب عن الطعام عام 2004، اذكر جيداً كلمات والدة
الأسير خالد الحلبي وهي تقول "ولادنا بصارعو الموت" كان هناك حراك واسع
من أهالي الاسرى، بيتنا كان أشبه بغرفة عمليات لساعة او ساعتين، وفارغ باقي الوقت.
طبع أهالي الاسرى صورة كبيرة لكل أسير ليحملوها في المظاهرات.
مجد فقد الكثير من وزنه بعد الاضراب، وعانى من مشاكل معوية ولم يذهب
الى الحمام لأكثر من 10 أيام، كان هذا اهم موضوع يتم مناقشته بالمنزل.
مجد دائماً نقطة القوة، خارج السجن لأنه كان الأخ الأكبر الذي يدعم
اخته الصغيرة، يشتري قالب بوظا كبير يخبئه ونأكله معاً في غرفته. اذكر انه في أحد
السنوات عمل فترة العطلة من المدرسة واشترى لي حذاء باهض الثمن، في ذلك الوقت كان
هذا الحذاء كنز بالنسبة لي، ارتديته كل يوم حتى اهترأ.
مجد نقطة القوة وهو بالسجن لأنه دائماً يساعدني على إيجاد
توازني العقلي حين يختل.
ونقطة ضعف لأنني لم أكن أستطع ان أقول له لا.
بفترة مرض امي، كنت واثقة ان مجد سوف يكون معنا، وأنها لن ترحل قبل
عودته الى المنزل.
رحلَت وقبل رحيلها رحل صوتي معها، ونبَت بداخلي شعورٌ عميقٌ بالرغبة
بالثأر.
زياراتي لمجد بعد ذلك كانت قليلة، بسبب الرفض الأمني ومنع
الزيارة، طلب مني ان اكتب له رسائل ولكنني لم أقوى على فعل ذلك.
بزيارتي الأخيرة لم أقوى على التعبير او الكلام كثيراً، تحوَلت الى
تلك الطفلة بالحادية عشر من عمرها.
وأثناء حديثه عن المستجدات حول قضيته، وبعد خمسة عشرة عاماً من الأسر
قال لي "احنا بنعمل كل اشي بنقدر عليه، وبعدها شو ما يصير يصير! اركني عليّ
وخلي إجريكي على الأرض" خرجت من الزيارة، امشي في ممرٍ طويل وفيه الكثير من
الأبواب، نمشي قليلاً وجندي يفتح باب، نمشي أكثر ويفتح باب آخر، الكل يتحدث، وأنا
في عالمِ آخر. لقد خبطني أخي على وجهي وقال " إصحي وعودي الى الأرض"
ولأول مرة أفهمني أخي ثأري .... (مش رح تكسرونا يا ولاد الكلب
ولو انكسرنا لبرهةٍ وطرنا من الجسد لعدم القدرة على تحمل الألم، او
نعمنا بقدرة البكاء لو حتى للحظات لتطهير قلوبنا.
فَسيصرخُ إخواننا من عُقر سجونكم بحناجرهم او بأمعائهم قائلين لنا
" ثبتوا أقدامكم بالأرض"

انشالله الفرج القريب يا حرية، الكتابة رائعة شعرت بكل شي حكيتيه بكل موقف بكل يوم ، انت محظوظة بمجد في حياتك دائما مجد كان مصدر القوة
ReplyDelete