عند
حاجز بيت سيرا في وسط الزحام وماكينات ألتفتيش رأيت والد أشرف ابو عرام يحمل مجد
حفيده فوق كثفيه، ابوابٌ مغلقة وأهالي الاسرى يُخرجون التصاريح والأوراق للتفتيش،
وماكنة يمر عليها كتب وأغراض مُبعثرة، صوت صراخ الجنود، وسحب فتاةٍ الى غرفة
التفتيش، ومجد يترنح مُبتسم فوق أكتاف جده.
شعرت بشيءٍ من الاختناق احاول ان افتح الباب في ممرٍ ضيق لكي أصل الى غرفة التفتيش الأُخرى، الجندية من الناحية المقابلة تضع يدها فوق الزر الذي يتحكم بفتح الباب، دون ان تكبس عليه، تنظر الينا والممر امتلأ الى أقصى حد، راية أُختي تنظر اليها محاولةً ان لا تُظهِر أي تعبيرٍ يدُلُ على أي نوعٍ من التعب او الاستياء، لم يفتحوا الباب حتى قاموا بسحب بعض هواتف أهالي الاسرى، وتفتيشهم.
ضغطت
المُجندةُ بإبهامها على الزر فبدأ الجميع بالتدفق خلال المُسننات المُستديرة لنصل
الى الغرفة الأخرى ونُخرِج الهويات والتصاريح للتفتيش مجدداً.
أخيراً
خرجنا من الحاجز، غاب مجد ابن أشرف عن عيوني لبضع دقائق، ولكنه لم يكن موجود ليركب
مع جده الباص، مجد البالغ من العمر سنه، منع من الزيارة.
لم
يسمحوا لمجد مرور الحاجز، فعاد هو وجدته الى المنزل، ووالد أشرف وحده ركب الباص
معنا.
لحظاتٍ
بعد ركوب الباص حتى بات مُعظم أهالي الأسرى في سُباتٍ عميق، على كراسي الباص، بعد
ليلةٍ طويلة من الانتظار والخٌروج من المنازل منذ مطلع الفجر، نومَ يُرهِق الجسد،
ويؤلم المفاصل، كلً ينام على أمل الاستيقاذ على مدخل سجن نفحة.
وصلنا
الآن الى سجن نفحا، في قاعةٍ مقفولٌ علينا من كل الجهات، كلٌ منا ينتظر سماع اسم
سجينه، حتى يذهب لفحص الهويات والتصاريح مرةً أُخرى ومن ثم الدخول من البوابة
والعبور من الماكينة، للوصول الى غرفة التفتيش المُنفردة.
عندما وصلنا الى غرف الزيارة كنت أحاول أن أرى أشرف ولكنهم، نقلونا الى غرفةٍ مُجاورة.
وصل مجد، الى غرفة الزيارة، أخبرنا انا وراية عن تفاصيل حياته أخبرنا كيف أكل التين هذا الصيف للمرة الأولى منذ اعتقاله، والمقادير الذي يستخدمها لصنع البوظا ، وحاولنا أن نُخبره بعضاً من تفاصيل حياتنا.
لحظاتٍ
قصيرة حتى انتهت الزيارة وتم إقفال السماعة، نظرت خلف مجد إذ بأشرف أبو عرام يخبط
على الباب من ورائه، ودخل الى الغرفة، كانت لحظة سعادة جميلة أخي مجد وأشرف
يتعرفون على بعض للمرة الأولى يعانقان بعض، وأشرف يحاول ان يوصل السلامات،
بمحادثةٍ من خلف الزجاج ومن دون سماعة، نحاول ان نتكلم بلغة الاشارة، اتفقنا ان
يجلس هو ومجد بجانب بعضهم الزيارة القادمة، كان يحاول ان يقول شيئاً ما ولكنني لم
أفهم. ولكن كنا انا وراية في غرفةٍ يفصلنا بها زجاجٌ عن أسرى كلٌ منهم له حكايته،
أمرأة تُعرفنا برجل وتقول لنا هذا منفذ عملية زئيفي، وإشاراتٌ نحاول استدراك
بعضها، ولكن مضمونها هو سلاماتٌ للعالم الخارجي، سلموا على الجميع، سلاماتٌ لكم يا
شعبي من أسرى سجن نفحا.
داخل هذه الغرفة هو معنى الحياة، معنى الحياة بابتسامة مجد الصغير ابن أشرف على أكتاف جده، وابتسامة أمرأةٍ تزور زوجها بعد انتظارِ طال لأكثر من 11 سنة، وصراخ امرأةٌ متمردة على الجندية في غرفة التفتيش، معنى الحياة هو عناق أشرف ومجد داخل الزيارة، وعودتنا انا وأختي راية لنجد أمي وأبي ينتظروننا ليسمعوا أخبار مجد، معنى الحياة هو انتصار الام على الألم لتحضير وجبة الطعام لنا بعد الزيارة، معنى الحياة هو أبٌ وزوجٌ عظيم.
معنى الحياة ما بين اسوار السجن، الاهالي والاسرى والسجانين، ولكن معنى الحياة يُصبح أجمل بتكسير أسواره.
الله يهدك يا نفحة!
![]() |
| صورة مجد ابن الاسير أشرف ابو عرام في عيد ميلاده الأول |
