ماما كانت سعيدةٌ
جداً لم تستطع التوقف عن التفكير برؤيتك.
يوم الاحد الموافق 14/10/2012 بدأنا بالاستعداد للزيارة
,كلٌ منا كان يفكر كيف ستمضي ال 45 دقيقه.
كيف سيكون اللقاء
هل سيتركونكم وحدكم؟ كيف ستكون ردة فعلك حينما ترى ماما للمرة الأولى بعد المرض؟ هل
ستتحمل ماما الم فراقك مرةً اخرى؟ كيف ستستطيع ان ترفع يديها عنك عند انتهاء
الزيارة...؟
ذهبت للتحدث مع
ماما وأخبرتها بان هذا اللقاء هو البداية ،الخطوة الاولى لاقترابها اليك. كنت
حينها احاول ان اسهل عليها الم فراقك من قبل ان تراك،
اخبرنا الصليب
الاحمر انك لم تصل الى سجن عوفر بعد ،على الرغم من انه كان من المفترض ان تكون قد
وصلت الى هناك منذ ثلاثة ايام. وانه سوف يتم تأجيل الزيارة ليومٍ او اثنين.
اتصلت مع طبيب
ماما وطلبت منه تأجيل موعد جرعة الكيماوي ،لان زيارتك قد تكون بنفس اليوم ،وافق الطبيب
مع اعلامي بان هذا التأجيل ليس جيداً
لصحتها.
لكنني كنت متأكدة
ان رؤيتها لك ،ستمدها بطاقةٍ وقوة اكثر من اي جرعة كيماوي او دواء.
في اليوم التالي
اخبرنا الصليب الاحمر انك وصلت الى سجن عوفر وان سيارة الاسعاف ستكون موجودة عند
المنزل الساعة الثامنة يوم الثلاثاء 16/10/2012 وان ماما و بابا سيتمكنان من رؤيتك
في تمام الساعة الثامنة و نصف صباحاً.
حينها تذكرت آخر
مرة حضنتك ماما يوم اعتقالك وأنت بالتاسعة عشر من عمرك ،تذكرت حين كنت اذهب معها
الى اقرب نقطة من سجن عوفر ،كانت تبحث عنك ،تحاول الاقتراب منك ،ولكنك كنت ابعد
بكثير ،مكاناً ما في وسط ألصحراء ،وها هي الآن ستذهب الى سجن عوفر مرةً اخرى بعد
11 سنة لتحتضنك مجدداً وأنت بالثلاثين من عمرك.
حضرت سيارة
الاسعاف في تمام الساعة الثامنة صباحاً ،لم نستطع انا او راية الذهاب معهم ،كنت
قلقةٌ جداً ،لم يكن باستطاعتي تخيل اقتراب مجندةٌ من ماما لتفتشيها ،اتصلت في بابا
فاخبرني انه تم إيقافهم عند الحاجز المؤدي الى سجن عوفر ،وأنهم أخبروهم بأنه لا
يوجد تنسيق لدخول سيارة الإسعاف ،وان الصليب الاحمر يحاول التدخل ،انتظر ابي وأمي
ساعة ونصف دون ان يسمحوا لسيارة الاسعاف بالمرور ،حينها بدأنا نفكر باحتمالية عودة
ماما الى البيت خوفاً على صحتها ،ولكن أخيراً قاموا بنقل ماما الى سيارة إسعاف
تحمل النمرة ألصفراء ،وسمحوا لهم بالعبور ،و من ثم قاموا بإيقافهم مرةً اخرى عند
بوابة السجن ،في تمام الساعة الحادية عشر ونصف اتصلت بأبي فقال لي "ماما دخلت
،وأنا ممنوع من الزيارة ،بكت ماما الماً على منع بابا من الزيارة ،وفرحاً لرؤيتك
بالوقت نفسه.
لم يسمحوا لبابا رؤيتك ،وأدخلوا ممرضة لمرافقة
ماما بالزيارة ،كم اتمنى لو كان باستطاعتي ان ارى مشهد لقائكم ،بكت ألممرضة وحاولت
ان تقف بعيداً عنكم ،ماما قالت لي "احساسي بهديك اللحظة مش ممكن اقدر اوصفه
"وأنت قلت لي في زيارتي لك الامس
"حكيتلها ماما ،ما تبكي ،قالتلي هدول دموع الفرح"
اخبرتني ماما بأن
ال 45 دقيقة كانوا 3 دقائق ،حضنتك حتى قالوا لها انتهت الزيارة،
عاد ماما وبابا
الى البيت ،قال لي بابا "بس خلصت الزيارة دخلت بسرعة ،شفته من بعيد 15 ثانية
طويل ولابس طاقية كحلي "كان سعيد لأنه استطاع ان يراك رغماً عنهم لو حتى
ثواني ،ماما عادت أيضاً وهي سعيدة لأنها استطاعت ان تراك لمدة 45 دقيقة ،وأنا
وراية ايضاً سعيدين جداً لأننا استطعنا ان نراك تحضن ماما بالصورة ،جميعنا فرحنا
ليس لأننا نرضى بالقليل ولكن لأننا نعرف كيف نفرح رغماً عنهم ،لم يكن هذا اللقاء
وداعياً ،بل كان بدايةً لحياتنا معاً ،فسنستمر بالمحاولة لن نيأس ولن نحزن فهناك
الكثير لنفعل ،ولن يضيع حقنا ما دمنا نطالب.
قلت لي الامس انك
كنت ترتب وتفكر منذ اشهر للتعامل مع الموقف خوفاً على ماما ،جميعنا قلقنا ولكن كان
من الاجدر بنا يا اخي ان نتذكر ان ماما كانت تزور السجون منذ 1978 قبل ان نولّد ،فهي
تعلمت على ابواب ومداخل السجون كيف تتعامل مع المستعمر ،كما وعلمتنا جميعاً ان لا
نخضع لهم ،علمتنا كيف نسرق منهم الفرح في وسط الألم ،وكيف نحول غطرستهم الى ضعف ،وكيف
نصنع من المنا صبراً ،صموداً ومقاومة.
ذهبت الى غرفة ماما
لأسألها عن الزيارة فقالت لي "اتركيني احلم"