Friday, October 12, 2012

45 دقيقة




وصل الباص الى سجن نفحة، قَدِمَ جنديٌ من بعيد وفتح البوابة، بدأ الناس يتهافتون للخروج من الباص، كلٌ يحاول ايجاد المكان الافضل للجلوس( المكان الابعد عن الحمام، والاقرب الى شباك التسجيل)، لم يحالفني الحظ 
هذه المرة فجلست على الارض مقابل الحمام.

  وضعت زوادتي على الارض وذهبت الى شباك التسجيل للزيارة، قَدمتُ للجندية التصريح والهوية وتذكرة 
الباص من الصليب الأحمر " مجد محمود زيادة... انا اخته"

وعدت الى مكاني، اتحدثُ مع عائلات الاسرى " مين جاي تزوري؟  قديش صارلو؟  قديش محكوم ؟ الله يفرج عنهم جميعهم يا رب. "  كلٌ له حكاية ، الزوجة والام، والأب والابن، ما بين حكم المؤبد، العشر سنوات، والستة أشهر..

بعد ساعاتٍ من الانتظار، صرخ جندي " زيادا ماجيد مهمود" ركضت الى البوابة " انا أخته". خلعت حذائي ووضعته بالماكنة للتفتيش و مررت من خلال الماكنة الاخرى و من ثم ذهبت الى غرفة التفتيش، ومن هناك الى غرفة الانتظار الداخلية .

جاء الجندي بعد  حوالي ساعة وفتح الباب لنمشي بالممر المؤدي الى غرفة الزيارة، بحثت عنك بين الاسرى الموجودين في الشق الآخر من الغرفة، خلف الزجاج، حتى وجدوك عيناي ووجدوني عيناك، فركضت باتجاهك ورفعت السماعة، ولكنني لم اسمع صوتك، ومن خلف الزجاج فهمت من حركات شفتيك سؤالك " كيف ماما؟"
أجبتك بعد تشغيل الهاتف "ماما بالمستشفى"

تغيرت ملامح عينيك فحاولت أن أطمئنك وقلت لك انها تتحسن وانها ستبقى هناك ليومٍ او اثنين، فقط
مضت الزيارة بسرعة لم أجد الوقت لأخبرك عن كل شيء أو أسألك عن حياتك أكثر، حتى نظرت اليّ وقلت " ضايل 3 دقايق"

لم استطع ان اخبرك بأن ماما قوية، وأنها تقاوم المرض كل يوم، لم أخبرك بأنني أرى محارباً في عينيها بكل مرةٍ تحاول ان تخطو خطوةً بقدميها، لم أُخبرك بأنها تقاوم لتراك. فكان هناك الكثير من الكلام والارتباك، فتهت بحذري باختيار الكلمات الأنسب، فمضت ال45 دقيقة بسرعة، ولم يسمح لي الوقت بإخبارك الكثير يا أخي.

انتهت الزيارة ركضت لإحضر كيس الحلويات الذي ارسلته لي، وعدت مسرعةً لأُشاهدك وانت تمشي ما بين جنودٍ وأسرى . كانت المجندةُ ورائي تصرخ بأن وقت الزيارة انتهى، ولكنني لم انظر اليها حتى غبت كلياً عن انظاري فتجاهلتها وخرجت من الباب، وعدت مجدداً للجلوس مقابل الحمام، رتبت ملابسك، و من ثم ذهبت الى شباك تفتيش الملابس حيث كان الجميع يحاول الوصول الى الشباك اسرع، للمغادرة مع الباص الاول.
ولكنني أيضاً تأخرت هذه المرة فرحل الباص الاول.. وجلست أنتظر حتى جاء الباص الثاني بعد ساعة ونصف
و من هناك اتجهنا من سجن نفحة الى القدس، وصلنا حاجز قلنديا حوالي الساعة 8 مساءً، فانطلقت من هناك الى مستشفى المطلع بالقدس لرؤية أمي، وأخبرتها عن الزيارة وأوصلت لها سلامك.

وبعد يوم أخبرنا الصليب الأحمر ان إدارة السجن وافقت على نقلك الى سجن عوفر ليومٍ واحد، وأنهم سينقلون ماما بسيارة الاسعاف لتتمكن من زيارتك، ستراك دون زجاج يفصل بينكم، ستسمع صوتك دون سماعة هاتف، ولأول مرةٍ منذ حوالي 11 سنة ستتمكن من احتضانك في تاريخ 15/10/2012 . سأذهب معها وسأنتظرها بالخارج لنعود  الى المنزل معاً.
سننتظرك يا أخي حتى تعود، سنقاوم السرطان والاستعمار معاً، دون ان نسمح لأي منهم ان يمنعنا من المُضي قُدماً فكلاهما يعلمنا كيف نقاوم أكثر.