سمعت اصوات الدبابات،نظرت من نافذة غرفتي فرأيت الدوريات والدبابات تقترب اكثر
فأكثر حتى وصلوا الى مدخل العمارة،قرعوا الاجراس وطلبوا من جميع الذكور فوق سن
الثالثة عشر الخروج، خرج ابي واخي مجد من البيت، وبعد عدة دقائق طلبوا منا جميعا
النزول الى اسفل العمارة،خرجنا انا وامي من البيت فوجدنا مجد وابي يقفون بجانب
الحيط عند مدخل العمارة مع باقي الرجال واضعين ايديهم فوق رؤوسهم.
كان مجد ينظر الى امي مبتسماً
ظننت وقتها انه كان يحاول ان يطمأنها ولكنني الآن اعرف انه كان بطريقةٍ ما يودعها،
صعد بعض الجنود لتفتيش المنازل، وبعد انتهائهم عادوا الى دباباتهم ولكنهم أخذوا
ابي وأخي وكل رجال العمارة معهم، انا وامي عدنا الى البيت وشاهدنا اخي يمشي
بالشارع امام الدبابة كدرع بشري برفقة ابي وباقي رجال العمارة.
باليوم الثاني بدأ جيراننا
بالعودة واحداً تِلوَ الآخر، حتى وصل ابي بعد ثلاثة ايام في تمام الساعة الثانية
صباحاً ،فتح الباب باحثاً عن مجد ولكنه لم يعرف ان مجد مازال هناك! اين؟ لم نكن
نعرف ولكنه لم يكن معنا. بعد عدة ايام رن جرس الهاتف رفعت السماعة،كان المُتصل رجل
يتكلم العربية بطريقةٍ غريبة، قال لي " وين إم مجد" أخذت
امي الهاتف وبدأت تصرخ "شد حالك يمّا،الانسان مواقف يمّا، احنا بنستناك ترجع
عالبيت يمّا". قُطِع الخط،انتهت المُكالمة.
انتظرنا 36 يوماً ونحن نحاول
ان نعرف مكانه حتى قرأنا بصحيفة الايام "مجد محمود زيادة من رام الله،تم
تقييد قدميه ويديه،ووضعه داخل مجنزرة،ومن ثم تركه لمدة ثماني ساعات في ساحة مليئة
بالحصى،ومن ثم لمدة ثلاث ساعات أخرى تحت المطر،وتعرض للضرب المبرح"
وبعدها عرفنا ان مجد كان في
سجن المسكوبية لمدة 36 يوماً للتحقيق ثم تم نقله الى سجن عسقلان.الزيارات بذلك
الوقت كانت ممنوعة لأهالي الضفة،ولكن كانت زيارات اهل القدس كل يوم أحد.كان عمر
مجد حينها 19 سنة،وانا كنت12 سنة، لم يكن عندي هوية،فكانت الطريقة الوحيدة ان نعرف
عنه شيئاً هو ذهابي للزيارة مع أهالي القدس، فتبرعت امرأة اسمها جهاد بان تأخذني
هناك.يوم الاحد استيقظت الساعة الثالثة صباحاً ذهبت الى بيت جهاد في مخيم قلنديا
ومن ثم رافقتني الى مقر تجمع باصات الصليب في القدس بالقرب من مدرسة الطفل،
انطلقنا من هناك الى سجن عسقلان،حوالي الساعة السابعة ونصف مساءً جاء دور زيارة
مجد،بدأت بالاستعداد للتفتيش ولكن عندما جاء دورنا لم يسمح لي الجنود بالدخول.
ولكن جهاد تلك المرأة التي
رأها مجد للمرة الاولى اثناء الزيارة اوصلت له المحبة منا،وأوصَلت منه القوة
والعزيمة الينا.
وفي أحد المرات اثناء منع التجول في رام
الله،اوصلتني امي الى قرية بلعين،وعندها بدأت بالمشي مع مجموعة من الناس الذين
كانوا يحاولون الوصول الى بيوتهم في قرية نعلين خلال منع التجول عبر طريق التفافي،
مشينا لساعات،كنا نختبئ عند سماعنا اصوات الدبابات،ونواصل المشي عند رحيلهم،بعد ان
وصلت الى قرية نعلين ذهبت الى منزل اصدقاء للعائلة الذين قاموا بإيصالي الى مدينة
القدس في فجر اليوم التالي،فوصلت الى بيت خالتي التي تسكن في بيت الشرق في القدس الذي
كان محاصر وقتها من الجيش الاسرائيلي،ومن هناك انطلقت مع أهالي الاسرى لسجن عسقلان
وحين وصلنا هناك منعت من الزيارة مرةً أخرى فحاولت العودة الى بيت خالتي ولكن جيش
الاحتلال منعني من دخول بيتهم ايضاً ولم استطع العودة الى رام الله في ظل الاجتياح
ومنع التجول،فذهبت الى بيت عائلة من أهالي الاسرى و أمضيت الليلة عندهم،حتى حضر
زوج جهاد الى القدس وأوصلني الى البيت.
فلمدة سنتين كل يوم أحد كنت
أذهب الى الزيارة مع أهالي القدس بكل مرة كنت ابحث عن امرأة لتتبرع بأن تدَعي
بأنها خالتي وتطلب زيارة مجد، ايامٍ لم أجد بها خالة،وأيامٍ مُنعت من الزيارة حتى مع
خالة.
حتى انعقدت محاكمة مجد في
محكمة بيت إيل،وبعد ان انتهى محامي مجد من المرافعة،سأل القاضي مجد إن كان يريد أن
يقول شيأً فرد عليه مجد قائلاً"السبب الوحيد الذي دفعني للوقوف،هو احتراماً
لأمي وأبي الموجودين بالمحكمة،فلم أقف احتراماً لك او لجنودك،تحاكمونني اليوم،ولكن
من سيحاكمكم،جنودك يقتلون أطفالنا كل يوم،هذا القفص ليس مكاني انما مكانكم
انتم،انا لم أقتل أحداً ولكني كنت أقاوم ضد الاحتلال،وسأقاتل ضد الاحتلال لآخر يوم
بعمري،احكموني ما شئتم فحكمكم سيكون وسام على صدري.
فأصدر القاضي الحكم على مجد
30سنة
فاصبحت بالثانية عشر من عمري
ودخلت الصف السابع اما مجد فبقي هناك.
دخلت الصف الثامن فالتاسع، اما
مجد فانتقل الى سجن بئرالسبع.دخلت الصف العاشر فالحادي عشر، اما مجد فانتقل الى
سجن ريمون.
تخرجت من المدرسة وحصلت على
الهوية الفلسطينية،ذهبت الى تونس سنة وعدت،اما مجد فعاد الى سجن بئرالسبع.
دخلت الجامعة اما مجد فانتقل
الى سجن نفحة.
اصبحت 22 سنة ومجد اصبح 29
بالزيارة الاخيرة،اخبر مجد أمي بانهم سيبدؤون
بالاضراب المفتوح عن الطعام فقالت له "شد حيلك يمّا،الانسان مواقف يمّا،احنا
فخورين فيك يمّا.اما انا فأقول لك أنت المجد والفخر والعِزة،لم اكبر وانت بجانبي،ولم
استطع ان اقدم لك دعوةً لحضور تخريجي من المدرسة، ولكنك دائماً معي أحبك وقلبي معك
وكما تقول دائماً "الايام الاجمل هي التي لم تأتي بعد" الايام الاجمل هي
التي ستأتي بمقاومة الاستعمار وتحرير الاسرى جميعاً.
سمعت اصوات الدبابات،نظرت من نافذة غرفتي فرأيت الدوريات والدبابات تقترب اكثر فأكثر حتى وصلوا الى مدخل العمارة،قرعوا الاجراس وطلبوا من جميع الذكور فوق سن الثالثة عشر الخروج، خرج ابي واخي مجد من البيت، وبعد عدة دقائق طلبوا منا جميعا النزول الى اسفل العمارة،خرجنا انا وامي من البيت فوجدنا مجد وابي يقفون بجانب الحيط عند مدخل العمارة مع باقي الرجال واضعين ايديهم فوق رؤوسهم.


